هنا، على بُعد أمتار قليلة من المسجد الحرام، تقع إحدى أقدم مقابر مكة المكرمة. مكانٌ يحمل تاريخًا مؤثرًا إلى حدٍّ عبر به القرون: مقبرة الشبيكة، المعروفة أيضًا بمقبرة الأحلاف.
مقبرة بطون الأحلاف
الشبيكة هي المقبرة التاريخية لأسفل مكة، في مقابل المعلاة التي تعلو المرتفعات. فبينما تضم المعلاة قبر خديجة رضي الله عنها وأجداد النبي ﷺ، كانت الشبيكة مدفن البطون الخمسة من قريش المتحالفة في حلف الأحلاف في مكة قبل الإسلام:
بنو عبد الدار بن قصي
بنو مخزوم
بنو سهم
بنو جمح
بنو عدي بن كعب
📚 ابن ظهيرة · الجامع اللطيف · الفاسي نقلًا عن الفاكهي
هذه البطون، التي كان بعض أفرادها من أشد أعداء النبي ﷺ قبل أن يعتنقوا الإسلام في النهاية (فخالد بن الوليد من بني مخزوم، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه من بني عدي)، يرقد أهلها اليوم تحت هذا الثرى المقدس.
السورة التي تخاطب البشرية جمعاء
وقبل المضي أبعد، ينبغي أن نعلم أن هذه المقبرة مرتبطة بواحد من أشد المقاطع وقعًا في القرآن الكريم.
ففي الجزيرة العربية قبل الإسلام، كانت قبائل كثيرة تمارس فعلًا سيبطله الإسلام إلى الأبد: وأد البنات حديثات الولادة.
فإذا علم الرجل أن امرأته وضعت أنثى، استبدّ به الخزي. ويصف القرآن ذلك بدقة تقشعر لها الأبدان:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
📚 سورة النحل، الآيتان 58-59
ويوم القيامة، يتولّى الله سبحانه الدفاع عن هؤلاء الأطفال:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
📚 سورة التكوير، الآيتان 8-9
موضع العار الذي مُحي
وبحسب عدة روايات تاريخية، كانت الشبيكة من الأماكن التي تُوأد فيها هؤلاء البنات البريئات في الجاهلية (عصر الجهل قبل الإسلام).
واليوم، حين يمرّ الحجاج بهذه المقبرة، يتذكرون أن كل حجر وكل حفنة من ترابها تحمل ذكرى هؤلاء البريئات اللواتي قتلهن آباؤهن باسم عارٍ زائف.
📚 الرواية المكية · الفاكهي · السمهودي
ولوضع حدٍّ لهذه الفظاعة تحديدًا، رفع الإسلام المرأة إلى المكانة التي تستحقها. قال النبي ﷺ:
«مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ»
وضمّ أصابعه.
📚 صحيح مسلم، رقم 2631
«مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ»
📚 سنن أبي داود، رقم 5146
سمية بنت خياط رضي الله عنها: أول شهيدة
وبحسب رواية منقولة، تضم هذه المقبرة أيضًا قبر امرأة يستحق اسمها أن يُذكر بإجلال على لسان كل مسلم: سمية بنت خياط رضي الله عنها، أول شهيدة في الإسلام.
⚠️ ملاحظة: هذا التحديد تنقله بعض الروايات المحلية، لكنه غير مؤكد في المصادر المعتمدة (البخاري ومسلم). وقد ذكره عدد من العلماء، غير أن الموضع الدقيق لقبرها يبقى غير مؤكد.
كانت سمية أَمَةً لأبي حذيفة بن المغيرة، وتزوجت رجلًا يمنيًا اسمه ياسر. وهي أم عمار بن ياسر رضي الله عنه، أحد أحب الصحابة إلى النبي ﷺ.
ولمّا بدأ النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام، دخلت أسرة ياسر كلها، سمية وزوجها ياسر وابنهما عمار، في الدين الجديد في طليعة السابقين.
لكنهم، لكونهم عبيدًا، لم تكن لهم أي حماية قبلية. فانهال عليهم أبو جهل، عدو النبي ﷺ اللدود وزعيم بني مخزوم (الذي كانوا ينتمون إليه)، بقسوة لا إنسانية.
📚 ابن هشام · السيرة · طبقات ابن سعد
استشهاد سمية
في كل يوم، تحت حرّ مكة اللاهب، كانت سمية وزوجها وابنها يُعذَّبون برمضاء مكة. فتُمدَّد أجسادهم على الرمل المحرق، وتوضع الحجارة المحمّاة على صدورهم لإكراههم على الردة.
ومرّ بهم النبي ﷺ يومًا وهم يُعذَّبون، فقال لهم، وقلبه يتفطّر وهو عاجز عن تخليصهم (إذ كان هو نفسه مضطهدًا)، هذه الكلمات الخالدة:
«صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ»
📚 سيرة ابن هشام (رواية ابن إسحاق) · وبلفظ «أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ وَآلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» عن جابر رضي الله عنه: مستدرك الحاكم، رقم 5666
ومات ياسر، زوج سمية، تحت التعذيب.
أما سمية، فقد أبت دائمًا أن تتخلى عن إيمانها. فاستشاط أبو جهل غضبًا أمام هذه المرأة العجوز التي صمدت أمام جلاديها جميعًا، فأخذ حربة وطعنها في قُبُلها بوحشية.
فماتت سمية في مكانها، وصارت أول شهيدة في الإسلام، وأول روح ارتقت إلى الله في سبيل هذا الدين. ودمها الذي سُفك على رمال مكة ختم إلى الأبد العهد بين هذه الأمة وربها.
📚 ابن هشام · السيرة · طبقات ابن سعد · مستدرك الحاكم
معجزة الكلمات النبوية
وبعد سنوات، قُتل ابنها عمار بن ياسر رضي الله عنه، وقد صار من كبار الصحابة، في معركة صفين (37هـ / 657م)، خلال الفتنة في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكان النبي ﷺ قد أخبر بذلك قبل عقود:
«تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»
📚 صحيح البخاري، رقم 447 · صحيح مسلم، رقم 2916
وقد تحققت هذه النبوءة تمامًا كما أُخبر. فعمار، ابن أول شهيدة، صار هو نفسه شهيدًا، ولحق بأمه في وعد النبي ﷺ: «فإن موعدكم الجنة».
تهيئة المقبرة
أُحيطت المقبرة بسور سنة 1274هـ على يد الشيخ علي الشاهومي المغربي، الذي بنى فيها أيضًا مغسلًا لتغسيل الموتى.
وفي العهد السعودي، سنة 1374هـ، جُدِّد السور.
📚 وثائق تاريخية مكية
المصادر الرئيسية
سورة النحل، الآيتان 58-59
سورة التكوير، الآيتان 8-9
صحيح البخاري، رقم 447 (النبوءة في شأن عمار)
صحيح مسلم، رقم 2631 (فضل تربية البنتين)
صحيح مسلم، رقم 2916 (النبوءة في شأن عمار)
سنن أبي داود، رقم 5146
مستدرك الحاكم، رقم 5666 (كلماته لآل ياسر)
السيرة النبوية (ابن هشام)
الطبقات الكبرى (ابن سعد)
الجامع اللطيف (ابن ظهيرة)
أخبار مكة (الفاكهي)
وفاء الوفا (السمهودي)
لماذا تزور هذا المكان
حين تقف أمام الشبيكة، يا أخي، فابكِ. ابكِ من أجل:
البنات البريئات اللواتي وأدهن آباؤهن في الجاهلية
سمية بنت خياط رضي الله عنها، أول من سفك دمه في سبيل هذا الدين
ياسر زوجها، الذي مات تحت التعذيب
كل المجهولين من قبائل مكة، الذين لم ترد أسماؤهم في الكتب، لكن الله يعلم كل نَفَس من أنفاسهم
هنا، قرب هذه الأرض، جاء نور الإسلام ليضيء ظلامًا دامسًا. وهنا نزل القرآن ليضع حدًّا لوأد البنات، وليرفع العبد فوق السيد، وليعد بالجنة امرأةً عجوزًا معذَّبة.
اقرأ سورة التكوير أمام هذه المقبرة، وتدبّر الآيتين 8-9، وابكِ من أجل هؤلاء البنات، واحمد الله أن بعث محمدًا ﷺ ليضع حدًّا لكل هذه الفظاعة.
سلام الله على سمية بنت خياط، أول شهيدة، وعلى ياسر، وعلى عمار، وعلى كل الأرواح البريئة المدفونة في هذه الأرض.
وصلّى الله وسلّم على رسوله محمد، الذي جاء بالكرامة للنساء والمستضعفين.
