في السنة السادسة للهجرة (628م)، خرج النبي ﷺ من المدينة ومعه 1400 من أصحابه يريد العمرة في سلام إلى مكة. كانوا محرمين، لا يريدون قتالًا، وساقوا معهم الهدي.
لكن قريشًا منعتهم من دخول مكة وأرسلت خيلها لتصدّهم.
صحيح البخاري، رقم 2731 · سيرة ابن هشام
نزل النبي ﷺ في الحديبية، على بُعد نحو 22 كم غرب مكة، عند حدود الحرم. وهناك بركت ناقته القصواء وأبت أن تتقدّم.
ولمّا أُشيع أن عثمان بن عفان رضي الله عنه (وقد بُعث رسولًا إلى قريش) قد قُتل، جمع النبي ﷺ أصحابه الـ1400 تحت شجرة وبايعهم على القتال حتى الموت ثأرًا لعثمان.
وقد خلّد القرآن هذه البيعة:
> « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا »
سورة الفتح، الآية 18
ثم تبيّن أن عثمان حيّ. فأرسلت قريش سهيل بن عمرو للتفاوض على الصلح. وبدت الشروط مجحفة بالمسلمين: لا عمرة في هذا العام، وهدنة مدتها 10 سنوات، وكل من فرّ من أهل مكة إلى المدينة يُردّ إلى قريش.
فسأل عمر رضي الله عنه: « أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ »
فأجابه النبي ﷺ:
> « إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي »
صحيح البخاري، رقم 2731
وما لبث أن أنزل الله تعالى:
> « إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا »
سورة الفتح، الآية 1
وقال الإمام الزهري: « فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه. » (رواه ابن هشام). وكان الصحابي البراء رضي الله عنه يقول: « تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ » (صحيح البخاري، رقم 4150). فقد أتاح هذا الصلح حرية الدعوة في أرجاء الجزيرة العربية، ودخول الناس في الإسلام أفواجًا، والاعتراف الرسمي بالمسلمين، والتمهيد لفتح مكة (بعد سنتين).
