التاريخ
في شوال من السنة الثامنة، كان جيش المسلمين قد هزم هوازن في حنين. ولجأ قائدهم مالك بن عوف النصري إلى الطائف، في حصن ثقيف. فعزم النبي ﷺ على المسير إليها. ويصف ابن إسحاق الطريق: عن طريق نخلة اليمانية، ثم قرن، ثم المليح، حتى « بَحْرَةِ الرُّغَاءِ مِنْ لِيَّةَ »، وهي سهل من وادي لية.
وبحسب اللغوي الأصمعي، فيما نقله ياقوت، لية « وَادٍ قُرْبَ الطَّائِفِ، أَعْلَاهُ لِثَقِيفٍ وَأَسْفَلُهُ لِنَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ». وبنو نصر هم قبيلة مالك بن عوف نفسه. ويجعلها السمهودي على نحو ثمانية أميال من وادي الطائف.
قال ابن إسحاق: « فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ ». وحفظ الواقدي خبر شاهد رأى النبي ﷺ « يَبْنِي بِيَدِهِ مَسْجِدًا بِلِيَّةَ، وَأَصْحَابُهُ يَنْقُلُونَ إِلَيْهِ الْحِجَارَةَ ». وصلى فيه الظهر.
وفي اليوم نفسه أُتي النبي ﷺ برجل من بني ليث قتل رجلًا من هذيل. فاختصم الفريقان إليه. فدفع القاتل إلى الهذليين فقتلوه. قال ابن إسحاق: « وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ ».
ثم رأى النبي ﷺ قصرًا فسأل لمن هو. وينقل الواقدي الحوار. فقيل له إنه قصر مالك بن عوف. فقال: « أَيْنَ مَالِكٌ؟ ». فقيل له إنه ينظر إليه الساعة من حصن ثقيف. فقال: « مَنْ فِي قَصْرِهِ؟ ». فأُخبر أنه ليس فيه أحد. فقال: « حَرِّقُوهُ ! ». فظل القصر يحترق من العصر إلى غروب الشمس. أما ابن إسحاق فيقول إنه هُدم فحسب. وبحسب الواقدي كان النبي ﷺ قد تحقق أولًا من أنه ليس فيه أحد.
ويذكر الواقدي في المنزل نفسه مشهدًا آخر. فقد كان قريبًا من هناك قبر أبي أحيحة سعيد بن العاص، وهو من وجهاء قريش مات على رفض الإسلام. فسبّه أبو بكر. فردّ ابنا الميت، وكانا مسلمَين يسيران مع الجيش، بسبّ أبي أبي بكر. فنهاهم النبي ﷺ قائلًا: « إِنَّ سَبَّ الْأَمْوَاتِ يُؤْذِي الْأَحْيَاءَ ».
ثم خرج الجيش من لية على طريق الضيقة، فسمّاها النبي ﷺ اليسرى، ونزل تحت سدرة الصادرة (انظر رقم 10)، قبل حصار الطائف (انظر رقم 19).
ولم يخسر مالك بن عوف كل شيء. فبعد أسابيع، بالجعرانة، أرسل النبي ﷺ مع وفد هوازن: « أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ ». فخشي مالك أن تحبسه ثقيف، فخرج من الطائف ليلًا، ولحق بالنبي ﷺ، فأخذ ما وُعد به وأسلم.
وفي القرن الثامن الهجري زار العالم المدني المطري لية. وكتب أن المسجد « مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ وَسَطَ وَادِي لِيَّةَ ». ولا يصفه أي مصدر حديث، وموضعه ما زال يحتاج إلى أن يُعثر عليه في الميدان.
ما هو ثابت وما ليس بثابت
- رواية المؤرخين: المرور بلية، والمسجد الذي بناه بيده، وصلاة الظهر، وأول قود، وهدم قصر مالك بن عوف (ابن إسحاق، الواقدي). ويختلف الكاتبان في الكيفية: أُحرق القصر أم هُدم.
- انفرد به الواقدي: الحوار حول القصر، وقبر أبي أحيحة، و« إن سب الأموات يؤذي الأحياء ».
- المكان: وادي لية معروف معيّن، والمسجد كان معروفًا في القرن الثامن الهجري، لكن موضعه اليوم غير معروف.
- مستبعد: شيء كان يُعرض قديمًا قرب المسجد على أنه أثر نبوي لا قيمة له، فلم نذكره هنا.
المصادر
1. ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2، ص 481 (الطريق، المسجد، القود، « فهدم »، الضيقة)؛ ج 2، ص 490 إلى 491 (إسلام مالك بن عوف).
2. الواقدي، المغازي، ج 3، ص 923 إلى 924 (شاهد البناء، صلاة الظهر، القود، الحوار حول القصر، « حرقوه »، قبر أبي أحيحة).
3. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 5، ص 29 (« لية »، عن الأصمعي؛ قصر مالك بن عوف).
4. السمهودي، وفاء الوفا، ج 3، ص 181 (مسجد لية، المسافة، شهادة المطري).