التاريخ
السنة العاشرة من البعثة سنة حزن، وكثيرًا ما تسمى عام الحزن. ففيها ماتت خديجة، ثم أبو طالب، العم الذي كان يحمي النبي ﷺ. ويروي ابن إسحاق أن قريشًا اجترأت عليه بعد ذلك. فنثر رجل يومًا التراب على رأسه. فدخل بيته، فقامت إليه إحدى بناته تغسل رأسه وهي تبكي. فقال لها: « لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ ».
فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة. ويؤرخ ابن سعد هذه الرحلة بأواخر شوال. ويذكر أن زيد بن حارثة كان معه، أما ابن إسحاق فيقول إنه خرج وحده. ويُروى أيضًا أنه قطع الطريق ماشيًا.
ويروي ابن إسحاق أنه قصد أولًا الإخوة الثلاثة الذين يسودون ثقيفًا: عبد ياليل ومسعود وحبيب، أبناء عمرو بن عمير. فدعاهم إلى الله، وسألهم أن ينصروه. فقال له أحدهم: « هُوَ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ ». وقال الثاني: « أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ ! ». وأبى الثالث أن يكلمه أصلًا. فقام النبي ﷺ وقد يئس منهم. ولم يسألهم إلا أن يكتموا عليه، لئلا يبلغ ذلك قريشًا فتجترئ عليه.
فلم يفعلوا. وبحسب ابن إسحاق أغروا به « سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ »، فسبّوه وصاحوا به. ويقول ابن سعد إنه أقام بالطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه، حتى أخرجوه. ويضيف أن السفهاء رموه بالحجارة « حَتَّى إِنَّ رِجْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَدْمَيَانِ ». وكان زيد يقيه بنفسه « حَتَّى لَقَدْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ شِجَاجٌ ».
وألجأه الناس إلى « حَائِطٍ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ »، وهما من وجهاء مكة. فرجع عنه من كان يتبعه. فجلس في ظل حَبَلة من عنب. وكان ابنا ربيعة هناك، قد رأيا ما لقي. فتحركت لهما الرحم، مع عداوتهما للإسلام. فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عدّاس، وأمراه أن يحمل إلى النبي ﷺ قطفًا من العنب في طبق.
فمدّ النبي ﷺ يده وقال: « بِاسْمِ اللَّهِ ». فتعجب عدّاس وقال: « وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ ». فسأله النبي ﷺ من أي البلاد هو، وما دينه. فأجاب عدّاس بأنه نصراني من أهل نينوى. فقال النبي ﷺ: « مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ». فسأله عدّاس عمّا يعرفه عن يونس بن متى. فقال: « ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ ». فأكبّ عدّاس عليه يقبّل رأسه ويديه وقدميه. فلامه سيداه. فقال لهما: « يَا سَيِّدِي، مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ». وبحسب الواقدي، بعد ذلك بأربع سنين، ناشد عدّاس عتبة وشيبة ألّا يخرجا لقتال النبي ﷺ ببدر، وقال: « وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ ». فلم يسمعا له، وقُتلا ببدر.
ويُروى أن النبي ﷺ دعا في ذلك البستان بهذا الدعاء: « اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ… إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ». وهذا النص مشهور، لكن إسناده ضعيف.
ثم رجع النبي ﷺ قاصدًا مكة. ويربط الموروث المحلي مسجدًا قريبًا، هو مسجد الكوع، بهذا اليوم (انظر رقم 11). وحديث ملك الجبال، الذي عرض عليه أن يطبق على أهل مكة الأخشبين، كان في طريق العودة، بقرن الثعالب، الذي يجعله كثيرون قرن المنازل (انظر رقم 02). ثم كان استماع الجن للقرآن بنخلة، ثم الرجوع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي.
ولا يحدد أي نص قديم موضع البستان. والمسجد الذي يحمل اسم عدّاس مسجد صغير مجدَّد، وسط بساتين المثناة، على وادي وجّ، قرب عين ماء. ومسجد آخر في البلدة القديمة، قرب برج غلفا، حمل أيضًا اسم مسجد عدّاس عند بعض المتأخرين.
ما هو ثابت وما ليس بثابت
- ثابت: جاء النبي ﷺ إلى الطائف يدعو ثقيفًا فردّوه، وقد ذكر هو نفسه هذه المحنة في حديث ملك الجبال (البخاري، مسلم).
- رواية المؤرخين: الإخوة الثلاثة وأقوالهم، وبستان عتبة وشيبة، وعدّاس ونينوى (ابن إسحاق). أما زيد، والأيام العشرة، والقدمان الداميتان، وشجّة زيد، فمن رواية ابن سعد (عن الواقدي).
- ضعيف: الدعاء « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي » (ضعّفه الألباني واللجنة الدائمة)، وخبر الرحلة ماشيًا جاء بالإسناد نفسه.
- المكان: موضع المسجد من الموروث المحلي. وقد حمل اسمَ عدّاس مسجدان مختلفان.
المصادر
1. ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 415 إلى 416 (وفاة خديجة وأبي طالب، « لا تبكي يا بنية »)؛ ج 1، ص 418 إلى 421 (الرحلة إلى الطائف، الإخوة الثلاثة، البستان، الدعاء « فيما ذكر لي »، عدّاس، نخلة).
2. ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 164 (التاريخ، زيد، الأيام العشرة، الحجارة، شجّة زيد، نخلة، المطعم بن عدي).
3. الواقدي، المغازي، ج 1، ص 32 إلى 34 (عدّاس قبل بدر).
4. البخاري، الصحيح، رقم 3231 (ملك الجبال)؛ مسلم، الصحيح، رقم 1795.
5. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 4، ص 338 (رواية عبد الله بن جعفر: « ماشيا على قدميه »، مع الدعاء).
6. ابن حجر، الإصابة، ج 4، ص 384 إلى 385، الترجمة رقم 5484 (عدّاس).
7. موقع الإسلام سؤال وجواب، رقم 148943 (درجة الدعاء: الألباني، السلسلة الضعيفة رقم 2933؛ اللجنة الدائمة): https://islamqa.info/ar/148943
8. صالح مطر الغامدي، « المثناة تاريخ وادي وج وثقيف »، صحيفة عكاظ، 26/02/2009م (مسجد عدّاس « وسط البساتين بالمثناة على وادي وج قرب عين ماء »): https://www.okaz.com.sa/article/247113
9. حماد السالمي، « المساجد الأثرية في الطائف »، صحيفة الجزيرة، 31/10/1999م: https://al-jazirah.com/1999/19991031/fu4.htm
10. عبد الله السفياني، صحيفة الوطن، 16/06/2022م (مسجد السنوسي، المسمى مسجد عدّاس بحسب الحضراوي): https://www.alwatan.com.sa/article/1108864