التاريخ
الحائط واحة من البازلت الأسود والنخيل، في جنوب منطقة حائل. وتقع على بعد نحو 250 كم من حائل و280 كم من المدينة المنورة. ويقال إن اسمها الحالي مأخوذ من « حائط النخل » الذي يحيط بالبلدة.
واحة قديمة جدًا. على البازلت نقشان بارزان يصوّران نبونيد، ملك بابل (556-539 ق.م)، مع نص بالخط المسماري. وأحدهما، الذي نشره أ. هاوسلايتر وه. شاوديغ سنة 2016، يسمي المدينة بدكّو. وهي الصيغة الأكدية لاسم فدك. وأعلنت هيئة التراث عن الآخر في يوليو 2021، وفيه نحو 26 سطرًا. وتذكر مسلّات حران أن نبونيد أقام عشر سنين في جزيرة العرب، نحو 553-543 ق.م، في تيماء ودادان (العلا) وبدكّو وخيبر ويثرب. وهذان النقشان محميان وغير مفتوحين للزوار. وهما من العصور القديمة، ولا صلة لهما بالتاريخ الإسلامي للمكان.
سريتا سنة 6 هـ وسنة 7 هـ. بحسب أهل السيرة (الواقدي وابن سعد)، خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في شعبان سنة 6 هـ في مئة رجل إلى بني سعد بن بكر، وكانوا يتجمعون قرب فدك لنصرة يهود خيبر. فسار ليلًا حتى بلغ ماء الهمج، وهو ماء بين خيبر وفدك كما قال ابن سعد. فهرب الأعراب، ولم يكن قتال. ولا يُعرف اليوم موضع الهمج. وفي شعبان سنة 7 هـ خرج بشير بن سعد في ثلاثين رجلًا إلى بني مرة قرب فدك. فقُتل أصحابه. وتحامل هو جريحًا حتى بلغ فدك، وأقام أيامًا عند يهودي من أهل الواحة حتى برئ (الواقدي، وابن سعد).
استسلام فدك (7 هـ / 628م). يروي المؤرخون أنه بعد سقوط حصون خيبر أرسل أهل فدك، وهم يهود يزرعون النخل، وفدًا إلى النبي ﷺ. فطلبوا الأمان واستسلموا دون قتال. وبحسب الواقدي، كان النبي ﷺ قد بعث إليهم أولًا محيصة بن مسعود يدعوهم إلى الإسلام، وجاء رئيسهم نون بن يوشع يفاوض. وكان الصلح على أن لأهلها نصف الأرض ونصف ثمارها، وللنبي ﷺ النصف الآخر. وختم ابن إسحاق بقوله: « فَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ فَدَكُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ » (ابن هشام).
الآية. وُصف حكم المال الذي يُؤخذ بلا قتال في سورة الحشر:
« وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍۢ وَلَا رِكَابٍۢ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ »
(سورة الحشر، الآية 6)
وتبيّن الآية التالية (الآية 7) مصارف هذا المال: « فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ». والآية لا تسمي فدك. والربط بينها وبين فدك مصدره السيرة والصحابة.
ما كان يصنع به النبي ﷺ. بحسب رواية لعمر رضي الله عنه نقلها مالك بن أوس (أبو داود، والواقدي، وابن سعد)، كانت للنبي ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك. وكان ريع فدك مخصصًا لأبناء السبيل (ابن السبيل). ويضيف ابن سعد، عن جعفر بن محمد، أن الأمر بقي كذلك حتى وفاة النبي ﷺ. وكانت الغلة تمرًا في الغالب. وبحسب ابن سعد، كان عمر بن عبد العزيز يقول إن فدك كانت تغل نحو عشرة آلاف دينار في السنة.
واسم الواحة وارد أيضًا في الصحيح. فقد روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي ﷺ ركب حمارًا « عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ » (البخاري 4566).
بعد وفاة النبي ﷺ. روت عائشة رضي الله عنها أن فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ « مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ». فأجاب أبو بكر بأن النبي ﷺ قال:
« لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ »
(البخاري 4240؛ مسلم 1759)
وأضاف: « وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
وفي صحيح مسلم (1757) ناشد عمر رضي الله عنه الصحابة الحاضرين، ثم عليًا والعباس رضي الله عنهما: هل يعلمون أن النبي ﷺ قال « لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ »؟ فقالوا: « نعم ». وفي صحيح البخاري (3093) أبقى عمر خيبر وفدك في يده وقال: « هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ ». فبقيت فدك مالًا للأمة يتولاه الخليفة. وقد كان هذا الموضوع محل نقاش بين المذاهب. وتقتصر هذه البطاقة على نصوص الصحيحين.
ما بعد ذلك، بحسب المؤرخين. نحو سنة 20 هـ قوّم عمر نخل فدك وأرضها. فدفع ليهود الواحة نصف قيمتها، ثم رحلوا (الطبري، والواقدي). وفي عهد عثمان أُقطعت الأرض لمروان بن الحكم. ويوضح ابن حجر، فيما نقله السمهودي، أن عثمان كان يرى أن ما كان خاصًا بالنبي ﷺ يعود إلى الخليفة من بعده. ثم صارت فدك إلى بني أمية.
وتخلى عمر بن عبد العزيز (الخليفة من 99 إلى 101 هـ) عن فدك. فبحسب ابن سعد وابن كثير ردّها إلى ما كانت عليه في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. وبحسب ياقوت والبلاذري جعل ولايتها لولد فاطمة رضي الله عنها. واختار السمهودي رواية بيت المال، مع صرف غلتها لأبناء السبيل. وفي العصر العباسي يذكر ياقوت أن فدك تنقلت بين الأيدي مرات. وفي سنة 210 هـ أمر الخليفة المأمون بكتابة سجل في شأنها.
وفي القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) سأل السمهودي علماء المدينة وأمراءها. فلم يعرف أحد منهم موضع فدك.
النقوش الإسلامية. على الصخور البركانية حول الحائط أحصى إ. السمري نحو 45 نقشًا إسلاميًا، أكثرها عباسية (القرن الثاني إلى الرابع الهجري): أدعية، وشهادات، وأبيات شعر، وشواهد قبور عليها آيات. واثنان منها مؤرخان: 132 هـ / 749م (مسلمة بن سحيم) و150 هـ / 767م (عبد الله بن عبيد الله، دعاء بالجنة). وفي روضة ذياب، على بعد نحو 5 كم جنوبًا في وادي غنيم، سُجّل 29 نقشًا، ثلاثة منها مؤرخة: 119 هـ / 737م، و186 هـ، و189 هـ. وعلى الواجهات نفسها رسوم ثمودية ورسوم من عصور ما قبل التاريخ (أبقار، ونعام، ومشاهد صيد). وفي قرية الحويط المجاورة، على الصخور أيضًا نقوش كوفية وقصيدة مؤرخة بسنة 309 هـ / 921م. وتدل هذه النصوص على أن الواحة بقيت مأهولة يرتادها الناس في العصرين الأموي والعباسي.
ما يُرى اليوم. تجمع النواة القديمة أحياء حي الشريف وحي قصر الحصان وحي المدارس. وفي سوق حي الشريف 49 دكانًا. ويُرى أيضًا جامع تراثي كبير، وبيوت من الطين والحجر، ومجالس رمّمها الأهالي. وتعد الموسوعة السعودية سبعة مساجد وأربعة أسواق قديمة. وفي بستان النخل نحو 20000 نخلة. وتسقيه عيون حُفظت أسماؤها: فياضة، جريدة، الغوير، الغار، عجرة، الجواخين، العوينة، أبي سليمان. وفي القرن الثالث عشر الميلادي كتب ياقوت: « وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة ». والبساتين ملك خاص: تُشاهد من الطرق الترابية. والنقوش في العراء، بلا علامات؛ ولا بد من مرشد محلي، ولا يجوز الكتابة عليها ولا إتلافها.
ما هو ثابت وما ليس بثابت
- ثابت: الآيتان 6-7 من سورة الحشر في المال المأخوذ بلا قتال؛ وطلب فاطمة رضي الله عنها وجواب أبي بكر رضي الله عنه بحديث « لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ » (البخاري 4240، 6726؛ مسلم 1759)؛ وتولي عمر خيبر وفدك على أنهما صدقة النبي ﷺ (البخاري 3093؛ مسلم 1757). وأن فدك هي الحائط يؤكده اسم بدكّو على نقش نبونيد الذي وُجد في الموقع.
- رواية المؤرخين: استسلام سنة 7 هـ وشروطه، ودور محيصة ونون بن يوشع، وسرية علي (6 هـ) وسرية بشير بن سعد (7 هـ)، وتخصيص فدك لأبناء السبيل، وتعويض عمر لليهود، وما جرى بعد ذلك في عهد بني أمية وعمر بن عبد العزيز والعباسيين. والربط بين الآية 6 من سورة الحشر وفدك مصدره الصحابة والسيرة: فالآية لا تسمي فدك.
- غير مؤكد: موضع الهمج غير معروف. وروايتا قرار عمر بن عبد العزيز (بيت المال، أو جعل ولايتها لولد فاطمة). ولم يُعرف في الحائط أي أثر من عهد النبي ﷺ. وربط عين بعينها بـ« العين الفوارة » التي ذكرها ياقوت من الموروث المحلي.
المصادر
1. القرآن الكريم، سورة الحشر 6-7.
2. البخاري 3093، 4240، 4566، 6725-6726؛ مسلم 1757، 1759.
3. أبو داود 2967 (رواية مالك بن أوس).
4. ابن هشام، السيرة، ج 2 ص 336، 348، 352.
5. الواقدي، المغازي، ج 1 ص 377؛ ج 2 ص 561-563، 705-707، 720، 722-723.
6. ابن سعد، الطبقات، ج 1 ص 389؛ ج 2 ص 68، 90؛ ج 5 ص 301-302.
7. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 2 ص 641؛ ج 3 ص 14، 19؛ ج 4 ص 111.
8. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 6 ص 294-295، 307، 358؛ ج 12 ص 693.
9. ياقوت، معجم البلدان، مادة « فدك »، ج 4 ص 237-238.
10. السمهودي، وفاء الوفا، ج 1 ص 78؛ ج 3 ص 157.
11. أ. هاوسلايتر وه. شاوديغ، « نقش بارز ونص مسماري للملك نبونيد في الحائط »، مجلة علم آثار الشرق، العدد 9، 2016، ص 224-240؛ سي. جي. غاد، « نقوش حران لنبونيد »، مجلة الدراسات الأناضولية، العدد 8، 1958.
12. إ. السمري، « النقوش المؤرخة في منطقة حائل »، مجلة أدوماتو، العدد 39، 2019، ص 29-54.
13. هيئة التراث، بيانات واس، 13-14 يوليو 2021؛ الموسوعة السعودية، « موقع الحائط الأثري ».